الغزالي

366

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

73 - باب : في الصبر والرضا والقناعة أما فضل الرّضا من الآيات ، فقوله تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ « 1 » . وقد قال تعالى : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ « 2 » ومنتهى الإحسان رضا اللّه عن عبده ، وهو ثواب رضا العبد عن اللّه تعالى . وقال تعالى : وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ « 3 » فقد رفع اللّه الرضا فوق جنات عدن . كما رفع ذكره فوق الصلاة ، حيث قال : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ « 4 » فكما أن مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة ، فرضوان ربّ الجنة أعلى من الجنة ، بل هو غاية مطلب سكان الجنان . وفي الحديث : « إن اللّه تعالى يتجلّى للمؤمنين . فيقول : سلوني . فيقولون : رضاك » . فسؤالهم الرضا بعد النظر نهاية التفضيل . وأمّا رضا العبد فسنذكر حقيقته . وأمّا رضوان اللّه تعالى عن العبد ، فهو بمعنى آخر يقرب مما ذكرناه في حبّ اللّه للعبد ، ولا يجوز أن يكشف عن حقيقته إذ تقصر أفهام الخلق عن دركه ، ومن يقوى عليه فيستقل بإدراكه من نفسه ، وعلى الجملة فلا رتبة فوق النظر إليه ، فإنما سألوه الرضا ؛ لأنه سبب دوام النظر ، فكأنهم رأوه غاية الغايات ، وأقصى الأماني ، لما ظفروا بنعيم النظر ، فلما أمروا بالسؤال لم يسألوا إلّا دوامه ، وعلموا أن الرضا هو سبب دوام رفع الحجاب ، وقال اللّه تعالى : وَلَدَيْنا مَزِيدٌ « 5 » قال بعض المفسرين فيه : يأتي أهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند ربّ العالمين ، إحداها هدية من عند اللّه تعالى ليس

--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 119 . ( 2 ) سورة الرحمن ، الآية : 60 . ( 3 ) سورة التوبة ، الآية : 72 . ( 4 ) سورة العنكبوت ، الآية : 45 . ( 5 ) سورة ق ، الآية : 35 .